إعلانات

مدينة غزة عبر التاريخ

معلومات تاريخية عن غزة هاشم

نشر بتاريخ 2022-06-12
التصنيف : معلومات تاريخية
Tamara Hussien
المشاهدات :
5221
10:20:00

في عام 1992 خرج إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل متحدثاً عن غزة فقال: "أتمنى أن أستيقظ من النوم فأرى غزة وقد ابتلعها البحر"

ماتَ إسحاق رابين، وماتَ كثير قبلهُ وبعده وظلّت غزة.


غزة مدينة هاشم

في القرآن الكريم وتحديداً سورة قريش، يقول الله تعالى " لإيلافِ قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف" والمقصود برحلة الشتاء كانت اليمن، أمّا رحلة الصيف فكانت لغزة ومشارف الشام، وهي أماكن كانت قريش تقصدها قبل الإسلام وبعده بهدف التجارة. وفي إحدى هذه الرحلات توفيَ الجد الأكبر للرسول عليه الصلاة والسلام في مدينة غزة وقيل أنّهُ دُفِنَ فيها، ومُنذُ ذلِكَ الحين وهاشم اسم يلتصق باسم المدينة التي سيتَصدّر اسمها يوماً ما عناوين الأخبارِ والصُحف في العالم أجمع.


أصل تسمية مدينة غزة

أمّا عن الاسم الأول غزة فهناك تفسيرات عديدة قالها المؤرخون عن أصل التسمية، فهي عندَ الكنعانيين "هزاتي" وعندَ الفراعنة "غزاته" أمّا الأشوريون واليونانيون فكانوا يُطلقون عليها "عزاتي" وعند العبرانيين "عزة" والصليبيون اسموها غادرز في حين أنّ غزة هو الاسم العربي لهذه المدينة الساحليّة الفلسطينية.


أهمية غزة جغرافياً وتاريخياً

تقع غزة جنوب أرض فلسطين التاريخية بمحاذاة سيناء والبحر الأبيض المتوسط وهي واحدة من أقدم مدن الأرض حيث بناها الكنعانيون في القرن الخامس عشر قبل الميلاد وحكموها سنين عدة ثمّ تعاقب حكمها ممالك عديدة أبرزهم الفراعنة والأغريق والرومان والبيزنطيون حتى قيام دولة الإسلام.


وطوال تاريخها لم تكن غزة دولة مستقلة أو عاصمة لدولة مستقلة، فهي كانت مطمع الدول والممالك والإمبراطوريات التي قامت حولها، فكانت الهدف الأول لأيّ غزو، وبحسب ما تم إكتشافه لاحقاً من مخطوطات وتحديداً الفرعونيّة فإنّ اسم غزة ورد في مخطوطة للفرعون المصري تحتموس الثالث وكذلك ورد في رسائل تل العمارنة وهي مخطوطات مكتوبة بلغة حضارة وادي الرافدين القديمة ووُجدت في قصر الملك المصري اخناتون في تل العمارنة.


وهذا إن دل فإنّما يدل على سباق الحضارات لبسط يدهم على هذه المدينة الساحلية والتي شكّلت بوابة لمصر طوال فترة تاريخها. وأمّا عن سكّانها فهم يعودون اصلاً لقبيلة الفلسطينيون الذين ينتمون للكنعانيين، وقد استقّروا فيها منذُ نشأتها، ووِفقَ التاريخ التوراتي الوارد في العهد القديم فإنّ غزة كانت المكان الذي سُجِنَ فيه شمشون الجبّار أحد أبطال اليهود القدماء كما يرد في أساطيرهم، حيثُ قَدِمَ شمشون لغزة وهناك قام أهلها بالإنقضاض عليه وحبسه، وطوال القرون التي سبقت ميلاد السيد المسيح لم تعرف غزة الإستقرار والهدوء نظراً لتسابق الممالك حكمها، حتى سقطت مصر بيد الرومان الذين ضموا المدينة إلى حكمهم ليبنوا فيها الحصون ويحولوها لمركز إقتصادي مهم، وقد اهتم بها الرومان حتى أنّ مجلس الشيوخ فيها وصل عدد أعضائه لخمسمائة عضو، كما قام الإمبراطور هادريان بزيارتها العام مائة وثلاثين ميلاديّة، وما إن اعتنقت الدولة الرومانية المسيحية حتى جعلت غزة مركزاً للمسيحية في الشرق وكانت تتبع آنذاك الإمبراطورية البيزنطية أو الرومانية الشرقية وظلّت هكذا حتى قيام دولة الإسلام.


غزة بعد قيام دولة الإسلام

العام ستمائه وخمسة وثلاثين ميلاديّة، وصلت أولى طلائع جيش المسلمين إلى مشارف غزة تحت قيادة عمرو بن العاص زمن الراشدين. وذلك عقب هزيمة البيزنطيين في معركة أجنادين التي وقعت وسط فلسطين. فحدثت تغييرات كبيرة في المدينة حيثُ شرعَ العرب ببناء المساجد، كما اعتنق كثيرٌ من السكّان الإسلام، وباتت اللغة العربيّة هي اللغة الرسمية لأهل غزة.


وسرعانَ ما أصبحت مركزاً إسلامياً مهماً، حتى أنّها كانت مسقط رأس الإمام الشافعي أحد أئمة السلمين الأربعة، والذي وُلِدَ عام سبعمائة وسبعة وستين ميلادية، وتاريخياً كانت المدينة تتبع ولاية مصر، فكانت جزءاً من الدولة الفاطمية التي كانت عاصمتها في القاهرة وظلت تحت حكمهم حتى قدوم الصليبيين الذين احتلوها العام الفٍ ومئةٍ ميلادية وظلّت تحت استعمارهم حتى العام الفٍ ومئة وسبعةٍ وثمانينَ ميلاديّة حينَ قام الأيوبيونَ باسترجاعها تحت قيادة السلطان صلاح الدين، وسعى ريتشارد قلب الأسد مِراراً لإعادةِ سيطرة الصليبينَ على المدينة، لكنّه لم ينجح، وظلّ الأيوبيونَ يحكمونها حتى العامِ ألفٍ ومائتينِ وستينَ ميلاديّة إلى حينِ قدوم المغول الذينَ دمّروها بشكلِ شبه كامل تحتَ قيادة هولاكو، ثمّ أعادَ المماليكُ بناءها بعد بحر المغول العام ألفِ ومائتينِ وسبعةٍ وسبعين، وتحتَ حُكمِهم أُطلِقَ على المنطقة المحيطة بمدينة غزة اسم حاكميّةِ قطاعِ غزة، وتمّ اختيار مدينة غزة عاصمةً للقطاع.


لكن كعادَتِها لن تهنأ غزةُ وأهلها كثيراً، فقط ضربها الزلزال العام ألفٍ ومائتينِ وأربعةٍ وتسعين، ودمّرَ أجزاءً كبيرةً منها، وما أن شرعَ أهلها بإعادةِ بنائها حتى أعادَ المغولُ تدميرُها بعدَ خمسِ سنواتٍ منَ الزلزال، وبعدَ أقلَ من خمسينَ عام أثبَتت غزة أنّها مدينة النكبات التي لا تتوقف! فاجتاحها الطاعون العام ألفٍ وثلاثمائةٍ وثمانيةٍ وأربعين، وقُتِلَ معظم سكّانها. ثمَ ضربها فيضانٌ كبير العامَ ألفٍ وثلاثمائةٍ واتنين وخمسين.


ورغمَ كلِّ ذلك، لم يهجرها مَن تبّقى من أهلها فيها، وبقيت غزة صامدة، وأعادت بناءِ نفسها، حتّى أنّ الرحالة العربية الشهير ابن بطوطة زارها بعدَ الفيضان الكبير بثلاثةِ أعوام تحديداً العامِ ألفٍ وثلاثمائةٍ وخمسةٍ وخمسين، ووصفها بأنّها مدينةٌ كبيرةٌ وفيها الكثير من السكّان والمساجد،


وأثناءَ ذلك وما بعده ظلّت غزة تحتَ حكم المماليك الذينَ سمحوا لأعدادٍ من اليهود بالهجرةِ إليها، وكتبَ عن ذلك الرّحالةُ اليهوديّ موشلام، أنّ غزةَ فيها سبعينَ عائلة يهودية منها أربعٌ سامريّة، والسامريّة إحدى طوائف اليهود.


وحتى قبلَ نهاية العصر المملوكيّ، تحوّلت غزة لثالث المدن الفلسطينيّة التي تضمّ مهاجرينَ يهود بعدَ القدسِ وصفد، والذينَ بقوا في القطاع حتى بعدَ قدومِ العثمانيين وبسطِ يدهم على المدينةِ وما حولها.


وكانت في تلكَ الفترة تتبعُ متصرفية القدس العثمانيّة والتي بدورها كانت تتبعُ مباشرةً لسلطةِ الباب العالي أيّ أنّها لم تخضع لأيّ ولايةٍ عثمانيّة ولا حتى ولاية الشام التي كانت القدس جزءاً منها.


وخلالَ حكمِ العثمانيين شهدِت المدينةُ هدوءاً نسبياً، لكنّه سرعان ما سيزول وتعودُ النكباتُ للقطاع.


غزة المستعمرة

في العامِ ألفٍ وتسعمائةٍ وسبعة عشر، وقبيل أن تضع الحرب العالميّة الأولى أوزارها هاجمت القوّات البريطانية مدينةَ غزة والحامية العثمانيّة فيها، وهزموا الجيش العثمانيّ بعدَ ثلاثِ معارك، راح ضحيتُها الآلاف من كلا الجانبين، وشاركَ في هذهِ المعارك أبناءُ القطاعِ للدفاعِ عن أرضهم، وبالرغمُ من أنّهم قاتلوا بضراوة إلّا أنّ المدينةَ سقطَت بيد الإنجليز ومعها باقي فلسطين وبلاد الشام والعراق، وأصبحت المدينة العامِ ألف وتسعمئة وعشرين مستعمرةً رسميّة لبريطانيا هي وفلسطين، بعدَ أن ضمنها الإنجليز لقرار التقسيم بينَ العربِ واليهود عقِبَ وعدِ بلفور الذي سمحَ بقدومِ العصاباتِ اليهوديةِ إلى فلسطين، وكانت غزة من نصيب العرب في تقسيم الأمم المتحدة عامَ ألفٍ وتسعمئتةٍ وسبعة وأربعين، لكن العام ألفٍ وتسعمئةٍ وثمانية وأربعين تحرّكت القوّات المصريّة وقواتٌ عربيّة لنجدةِ الفلسطينين، فدخلتها القوّات المصريّة في نفس العام وبقيت فيها حتى تثبيتِ بقائها هناك.


العامَ ألفٍ وتسعمئتةٍ وتسعةٍ وأربعين عقبَ الهدنة التي وقعت بين الإحتلال الإسرائيلي ومصر، تحولت غزة لمركزاً لاستقبال اللاجئين الذينَ هجّرهم الإحتلال الإسرائيليّ وظلت تتبعُ مصر جتى العام ألفٍ وتسعمئتةٍ وسبعةٍ وستين حينَ هُزِمَ المصريونَ والعرب فيما عُرِفَ بنكسةِ حزيران، وباتت غزة واقعة بشكلٍ رسميّ تحتَ الإحتلال الإسرائيليّ.



غزة تقاوم

كما فعلت إسرائيل بالأراضي التي احتلتها العامِ ألفٍ وتسعمائةٍ وثمانيةٍ وأربعين، سعت لتكرارِ ذات الشيء مع الأراضي التي سقطت في يدها في العامِ ألفٍ وتسعمائةٍ وسبعٍ وستين، فقامت باقتطاعِ مساحاتٍ شاسعةٍ من قطاعِ غزة وحصر الفلسطينينَ في مناطقِ ضيقة وسلّمت الأراضي المقتطعة لليهودِ المتطرفين لإقامة المستوطناتِ فيها، فباتت غزة محاصرة من مستوطناتِ اليهود، وأبرزها مستوطنة "إيرز" التي أنشِأت العامِ ألفٍ وتسعمائةٍ وثمانيةٍ وستين شماليّ القطاع، ومستوطنة "ايليسي ناي" التي أنشِأت العامِ ألفٍ وتسعمائةٍ وثلاثةٍ وثمانين، ومستوطنةِ "نيسانيت" ومستوطنةِ "نيتسرين" ومستوطناتٌ أخرى سيصلُ عددها لأكثرَ من عشرين.


وخلالَ عقد السبعينات، عانت غزة ما عانتهُ باقي مدن فلسطين من ويلاتِ الإحتلال والتي استمرت حتى أعوامِ الثمانينيات، وانتظرَ سكّان القطاع حتى العامِ ألفِ وتسعمائةٍ وسبعةٍ وثمانين حين اندلعت الإنتفاضةُ الفلطسينيةُ الأولى، حيثُ كانت فرصتهم للمشاركة والثورة بوجه المحتل. فردّت إسرائيل هلى انتفاضةِ الحجارة بالقنابلِ والغازِ والقمعِ والاعتقالات، لتشهدَ غزة ولادةَ حركةِ حماس في نفس العام، والتي أعلنت ميثاقها في العامِ التالي لتنتقل المقاومة من الحجارة إلى بُعدٍ آخر سينجلي بعدَ المفاوضات الفلسطينيّةِ الإسرائيلية التي بدأت مطلع التسعينيات وأسفرت العامِ ألفٍ وتسعمائةٍ وثلاثةٍ وتسعين عن توقيعِ اتفاقيةِ أوسلو التي بموجبها أعادت منظمةُ التحريرِ لفلسطين وأقامت حكماُ ذاتياً على أراضي العام ألفٍ وتسعمائةٍ وسبعةٍ وستين أو جزءٍ منها، حيثُ ظلّت المستوطنات تغزو هذهِ الأراضي.


وأتمت اسرائيلُ انسحاباً ظاهرياً العامِ ألفٍ وتسعمائةٍ وأربعةٍ وتسعين، لكنّ جيشها ظلَّ معنيّاً بحماية المستوطناتِ في غزة وقلبِها وحولَها ما كانَ يعني استمرار الإحتلال، لِتعلنَ غزة عن ولادةِ مقاومةِ السلاح الذي كانَ قد أعيا الإسرائيلين، حيثُ كانت غزة مركزِ إدارةِ عملياتٍ عدّة نفّذها فدائيونَ داخل إسرائيل مطلعَ التسعينياتِ وما بعدَهُ، وهذه ما دفعَ إسحاق رابين لقولِ عبارتهِ الشهيرة التي كانت عبارة عن أمنية يتمنى فيها أن يبتلع البحرُ هذا القطاع لكنّ البحرَ لم يحقّق أماني رابين، واستمرت المقاومة تدقُّ قلبَ تل أبيب وتؤرق مستوطنيها في القطاع وحوله. وفي حين كانت المقاومة قد خفتت في مدن الضفة تمردّت غزة على التهدئة وأعلنت أنّها لن تخضعَ لقوانين الإحتلال لتُجبِرَ رئيس حكومة إسرائيل آرائيل شارون العامَ ألفينِ وخمسة على تفكيكِ مستوطناته وسحبِ قوّاته من القطاع، مع فرضِ نهجِ إسرائيليٍّ جديدٍ للتعاملِ مع غزة.


غزة الحصار

العام ألفينِ وخمسة، بدلّت إسرائيل الاحتلال بالحصار، براً وبحراً وجوّاً، وسَعَت لتحويل القطاع لسجنٍ كبير، ثمّ شدّدت الخِناقَ أكثر عقبَ الإنقسام الفلسطينيّ الذي جرى العامَ ألفينِ وسبعة بعدَ إعلانِ حركةِ حماس سيطرتِها على غزة وإقامةِ حكومة موازية فيها لحكومةِ الضفة. لتجِدَ إسرائيلَ مبرِّراً أمامّ الغرب لإحكامِ حَصارِها. لِتنفَجرَ الأوضاع العام ألفين وثمانيّة بحربٍ إسرائيليّة مدمّرة بدأتها بقصفٍ عنيف على المنازلَ والمستشفيات وحتى المساجد، ثمّ أتبعتهُ بزحفٍ بريّ.

أعلنَت حكمة الإحتلال أنّ هدفُها إنهاءَ حكمِ حماس التي كانت قد أطلَقت على إسرائيل عدّةَ صواريخٍ محليّة الصنع هي القسّام. والتي اتخذها الإحتلال ذريعةً لاستخدام الأسلحة الفتّاكة والمدمرة بحقِّ القطاعِ وأهله، فكانَ الفسفور الأبيض أحدِ أدواتِ إسرائيل التدميريّة. كما قطعَ الاحتلالُ الكهرباءِ عن القطاع وحظرَ دخول الأدويةِ لسكّانِ غزة، ووصلَ عددِ الشهداءِ الفلسطينين في ذلك العدوان لقرابةِ ألفٍ وأربعمائةِ شهيد، بينَهم أكثر من أربعمائة طفل وأكثرُ من مئةِ إمرأة. كما هدمت قرابة أربعةُ آلافِ منزلٍ بشكلٍ كليّ، وسبعةَ عشرةَ ألف بشكلٍ جزئيّ، واستخدمت قرابة مليون كيلو جرامٍ من المتفجرات. ما فتحَ أعينِ العالم على معاناة القطاع، لتبدأَ رحلاتٌ بحريةٌ مسيّرةٌ من عدوِ دولٍ من العالم محاولةً الوصولِ لشواطئِ غزة المحاصرة عقبَ انتهاءِ العدوان. لكنّ إسرائيل استمرت بإطباقِ الحصار ومنَعت هذهِ الرحلات التضامنية. ووصلَ بها الأمر حدَ الهجومِ على أسطولٍ تركيّ وقُتِلَ بعضَ مَن فيه.


ورغمَ ذلك، لم يرضخ أهلَ غزةَ للاحتلال، ما دعى الكيان وحكومته لشنِّ عدوانٍ جديد العامِ ألفينِ واثني عشر، أسفرَ عن استشهادِ مئةٍ وستينَ فلسطينيّاً بينهم أكثرَ من أربعينَ طفلاً واحدى عشرَ سيدة. وهُدِمَ في هذا العدوان مائتي منزلٍ بشكلٍ كليّ وألفٍ وخمسمائةٍ بشكلٍ جزئيّ.


ثمّ عاودت الكرّة عامِ ألفين أربعةَ عشر، وكانَ عُدوانٌ لا يقلَُ وحشيةً عن حربِ العامِ ألفينِ وثمانيّة، سقطَ فيهِ قرابةَ ألفينِ وثلاثمائةِ شهيد، بينَهم خمسمائةٍ وثمانونَ طفلاً، وأربعمائةٍ وثمانونَ إمرأة، وفي هذا العدوان ارتكبت إسرائيل مائةً وأربعَ عشرة مجزرة بحقَ عوائل غزاويّة، ودمّرت قرابة اثني عشر ألف وحدة سكنيّة بالكامل، ومئة وستينَ ألفاً بشكلٍ جزئيّ.


ولكن، وبالرغمَ من ذلك، أعلنت غزة صمودها المستمر، وعقبَ انتهاء العدوان كالعادة باتفاقِ تهدئة، استمرَ حصار الإسرائليينَ للقطاعِ وأهله الذينَ عانوا ويلاتِ انعدامِ كثيرٍ من السلعِ والخدماتِ والوقود حتى العامِ ألفينِ وواحدٍ وعشرين، لتندلِعَ حربٌ جديدةٌ أيضاً على مرأى العالم ومسمعه، راحَ ضحيَتُها قرابةِ مئتينِ وثلاثينَ شهيداً بينَهم خمسةٌ وستونَ طفلاً وتسعٌ وثلاثونَ سيّدة، كما أحدثَ أضراراً بليغةً في البنيةِ التحتيةِ للقِطاعِ ومرافقه، فدّمرَ بشكلٍ كاملٍ ألفاً وثمانمائةِ منزل، وبشكلٍ جزئيّ ثلاثة عشر ألف وخمسمائةِ منزل.


والثابتُ في جميعِ الحروبِ التي شنّتها إسرائيلُ على غزة، هو استمرارُ المقاومة، واستمرارِ إطلاقِ الصواريخ التي يعلن الإحتلال في كلّ معركةٍ لهُ على القطاع أنّ هدفهُ وقفها، وفي حين يفشل دائماً بتحقيقِ أهدافه، يدفع المدنيونَ الأبرياءُ من سكاّنِ غزة الثمن، لكن دونَ أن يستسلمَ أحدٌ من القطاع.


غزة الشوكة

منذُ أعلنت إسرائيل السيطرة على القطاع العام ألفِ وتسعمائةٍ وسبعةٍ وستين، وغزة تحولت إلى شوكة في خاصرةِ إسرائيل، فلا المدينةُ رضت باتفاقيةِ السلام المبرَمةِ مع السلطة أو ما يُعرف باتفاقيةِ أوسلو، ولا القطاع استسلم للاحتلال، بل راحَ بدلاً من ذلك يقاوم بالحجرِ والبندقيّةِ والصاروخ الذي يُصنَع في قلبِ القطاعِ المحاصَر. معلناً أنّ غزةَ التي عانت طوالَ تاريخها ستطلُّ عصيةً على الإحتلال والرضوخ.

مع العلمِ أنَّ مساحةَ القطاع لا تتجاوز الواحد ونصف بالمئة من مساحةِ فلسطين التاريخية، حيث تبلغ ثلاثمائة وستين كيلو متر مربع بطولٍ يزيدُ قليلاً عن أربعينَ كيلو متر وعرضٍ يتراوح بينَ ستة واثني عشر كيلو متر، وهي مساحة صغيرة جعلت القطاع من أكثر ِمناطق العالم ازدحاماً بالسكّان حيثً يعيش في هذا المكان الضيق قرابةَ المليونين إنسان جميعهم يتمسكونَ بأرضهم رافضينَ الخنوعَ أو الإستسلام، محافظينَ على إرثِ مدينة بُنِيَت منذُ آلافِ السنين، مرّ عليها نكباتٌ عديدة جميعُها زالت وظلّت غزة.